مصطفى صادق الرافعي
45
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
لو لم يكن بلسان قريش ما اجتمع له العرب البتة ولو كانت بلاغته مما يميت ويحيي ، ثم كانوا لا يعدون في اعتبارهم إياه أنه ضرب من تلك الضروب التي كانت لهم من خوارق العادات ، كالسحر والكهانة وما إليهما وهو الذي افترته قريش ليصرفوا به وجوه العرب ويميلوا رؤوسهم عن الإصغاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : ساحر ، وكاهن ، وشاعر ، ومجنون ، وتقوّلوا من أمثال ذلك يبتغون به أن يحدثوا في قلوب الناس لهذا الأمر خفة الشأن ؛ وأن يهوّنوا عليهم منه بما هوّنته العادة ، وهم كانوا أعلم بعادات القوم وما يبلغ بهم ، حين قعدوا يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا . وهاهنا أصل آخر ، وهو أن القرآن لو نزل بغير ما ألّفه النبي صلّى اللّه عليه وسلم من اللغة القرشية وما اتصل بها ، كان ذلك مغمزا فيه ، إذ لا تستقيم لهم المقابلة حينئذ بين القرآن وأساليبه ، وبين ما يأثرونه من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيهوّن ذلك على قريش ، ثم على العرب ، فيجدون لكل قبيلة مذهبا من القول فيه ، فتنشق الكلمة ، ثم يصير الأمر من العصبية والمشاحنة والبغضاء إلى حال لا يلتئم عليه أبدا ، ولو أن شاعرا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم عليه ، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته . وإنما وطأنا بهذا النّبذ من القول لأن طائفة من الناس يذهبون إلى أن القرآن لو هو قد نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بغير القرشية ، لكان ذلك وجها من إعجازه تلتمس به الحجة ويستبين الظفر ، ولخلّى عنه العرب فترة وعجزا . وهو زعم لا يقول به إلا أحد رجلين : من يدري كيف يقول ، أو من يقول ولا يبالي أن يدري أنك مطّلع منه على جهل وسفه . ولما كان الوجه الذي أقبل به القرآن على العرب وجه تلك البلاغة المعجزة ، فقد كان من إعجازه أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعا ، وإنما سبيل ذلك من لغة قريش . وهذه اللغات وإن اختلفت في اللحن والاستعمال ، إلا أنها تتفق في المعنى الذي من أجله صار العرب جميعا يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم ، وهذا المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة الواحدة . ثم ملاءمتها للكلمة التي بإزائها ، ثم اتساق الكلام كله على هذا الوجه حتى يكون كالنغم الذي يصب في الأذن صبّا ، فيجري أضعفه في النسق مجرى أقواه ، لأن جملته مفرغة على تناسب واحد . وقد استوفى القرآن أحسن ما في تلك اللغات من ذلك المعنى ، وبان منها بهذه المناسبة العجيبة التي أظهرته على تنوّعه في الأوضاع التركيبية مظهر النوع الواحد ، وهي مناسبة معجزة في نفسها ، لأن التأليف بين المواد المختلفة على وجه متناسب ممكن ، ولكن التأليف بينها على وجه يجمعها ويجمع الأذواق المختلفة عليها كما اتفق القرآن ، أمر لا يقول بإمكانه من يعرف معنى الإمكان . وسنفصل ذلك في موضع هو أملك به متى انتهينا إلى القول في حقيقة الإعجاز .